الأربعاء , 26 يونيو 2019
سنتوقف عن النشر لأيام قليلة لصيانة الموقع
الرئيسية / العالم الأمازيغي / تاريخ الملك الأمازيغي يوغرطة الذي أذل جند إمبراطورية روما العظمى

تاريخ الملك الأمازيغي يوغرطة الذي أذل جند إمبراطورية روما العظمى

 هو يوغورطة بن منستابعل بن مصينيسا. المؤرخين يسميه يوغرطة. وأنا اختار يوغورطة لأنه أفخم وأليق بشخصيته القوية. وكان والد يوغورطة هو منستابعل. وقد عينه والده مصينيسا وزير للعدل في دولة مصيبسا. فتوفي في سنة 145 ق.م فترك ابنه يوغورطة في عنفوان الرجولة وفورة الشباب. وكان سن يوغورطة لما توفي والده حوالي سبع وعشرين سنة كما يدل رسمه الذي وضع أيام ملكه. ان رسمه أيام ملكه ينبئ بأنه في العقد الخامس أو أكثر، وفي آخر أيام الشباب، وعلى أبواب الكهولة. وكان يوغورطة قد اعتنى والده بتربيته وتثقيفه، وعلمه الفروسية، وفنون الحرب، واعتنى به في كل نواحيه، ورباه تربية الحكيم الذي يعرف كل مواهب ابنه نواحيه، ورباه تربية الحكيم الذي يعرف كل مواهب ابنه فيستخرجها كلها بالأسلوب الحكيم في التربية، وينميها فيه كلها بالتدريب والتعليم.

    وكان منستابعل معجبا بذكاء يوغورطة وبشجاعته وإقدامه، وطموحه، وبغيرته على قومه، وبالشخصية الحربية الاجتماعية القوية فيه. فأيقن انه هو الذي يخلف جده مصينيسا في صفاته، ويقوم بعمل كبير في المغرب، فغرس فيه أحسن المثل العليا، وأنشأه على الإخلاص لامته، وعلى الغيرة على دولته، وعلى الاعتداد بجنسه وعلى العناية بشئون المغرب كلها، وارضعه وهو طفل كره الرومان، ونقش في قلبه العداوة لهم، واراه نواياهم السيئة للمغرب، وأطماعهم فيه. فنشأ يوغورطة وهو مستعد ليكون كاهل أمته يحمل أثقالها، وعميدا للدولة ينوء بأحمالها، وسيف المغرب البتار يجالد أعداءه، ويمزق في التراب كل مستعمر يريد استعباد أمته، وإذلال الأمازيغ الأحرار.

شخصيته العظيمة:

    وكان يوغورطة شجاعا، جريئا، قوي الجسم، خفيف الحركة، فاغرم بفنون الحرب والفروسية فبرع فيه. فكان فارسا مغوارا لا يشق له غبار في الفروسية، مقاتلا ماهرا لا يقف إمامه قرن في المعركة. فنضجت شخصيته الحربية القوية، وبدت فروسيته فأعجب به البربر والتفتت إليه الأنظار من كل أنحاء الدولة وعلقوا فيه آمالا كبيرة. وكان يوغورطة إلى شجاعته وفروسيته، وقوة بنيانه، جميل الجسم، بهي القسمات، رائع الطلعة، مع قوة تنبئ ببطولته، فزاد جمال خلقته في جمال شخصيته وقوتها، فتفتحت له القلوب، وأقبلت عليه نفوس قومه. وكان ذكيا بالغ الدهاء، واسع الحيلة، عليما بالوسائل التي تحقق له أغراضه وتحبط كيد الأعداء والمنافسين له، ويقضي بها على مناوئيه بدون معركة، ويصل بها أهدافه البعيدة بأهون سعي.

حرص يوغورطة على توحيد المغرب الكبير ومقته للرومان:

    وكان يوغورطة غيورا على البربر كلهم، يحب الخير لهم جميعا، ويعمل جاهدا ليكون المغرب كله قويا، سعيدا، متصفا بكل ما يورثه الصدارة بين الشعوب، ويبوئه المكانة العليا التي تليق بعرقه ازكي ، واستعداده الكبير. وكان مخلصا لدولته كلها وللمغرب كله فأعطاهما حياته، وقصر عليهم جهوده، فأحبه البربر وأعطوه قلوبهم، ودانوا بزعامته ورئاسته. وكان قوي الإرادة لا ترده العقبات، ولا تضعف تصميمه وإصراره المحن والصعوبات. يزيده الفشل قوة فيكر على مراده، والخيبة وإصرارا فيهجم على غايته، وإذا انسدت أبواب للنجاح في وجهه طرق أبوابا أخرى، لا ييأس ولا يفشل. ان الانهزام هو الموت عنده، فتراه يفر منه ويتنزه عنه وكان يوغورطة يكره الرومان ويمقتهم. لقد عاشرهم واختلط بهم، ودرس نفوسهم، فعرف طموحهم لامتلاك المغرب، وعلم إنهم كالوحوش الضارية، لا يتسلطون على امة إلا مزقوا أوصالها، وقتلوها، وصيروها فرثا في أحشائهم، وعظاما بالية تحت أقدامهم! وكان يعلم ان الرومان يتمنون ان يمزق المغرب إلى ممالك عديدة ليغزوا بينها العداوة والبغضاء، فتتقاتل، فيضعف بعضها بعضا للرومان، فيكروا عليها جميعا، فيفترسوها. وأيقن ان قوة المغرب في اتحاده، وجعله دولة واحدة متماسكة الأطراف.

    ان الاتحاد هو القوة. فالرومان لم يكتسبوا قوتهم فيكونوا دولة كبرى إلا لما وحدوا ايطاليا وجعلوا ممالكها العديدة دولة واحدة. ان المغرب كله وطن واحد، وجنس واحد، لا اختلاف بين أجزائه وسكانه. ان الاتحاد بين المغاربة أسهل، وهو اوجب. فما لم يتحدوا لا يستطيعون الوقوف في وجه الرومان.  ان الرومان الذين احتلوا افريقية هم الحية القتالة التي تساكن أهل المغرب في دارهم. لابد من القضاء عليها. لابد من تهشيم رأسها وقذفها في اليم! ان توحيد المغرب في دولة واحدة هو وسيلته الكبرى لبلوغ هذا الغرض لينجو من الاستعمار الروماني الأثيم. ان توحيد المغرب واجب عليه. لابد ان يحققه. ان أمته مقبلة على خطر عظيم يكمن لها في الولاية الرومانية. يجب ان يكون ملك دولته قويا شجاعا بالغ الدهاء. انه ليس في عائلة مصينيسا من تجمع فيه هذه الأوصاف كلها غيره. ان قيادة دولته ورئاستها واجب عليه. ان تبوأ عرش الملك بعد عمه هو الذي يفتح له المجال لخدمة المغرب وتوحيده، وحفظه من الرومان. كان هذا الشعور يملأ قلب يوغورطة وكان هذا الرأي عقيدة راسخة فيه، تؤثر في شخصيته، وتوجهه في سلوكه؛ كان توحيد المغرب وتنظيفه من الرومان هو المثل الأعلى الذي يستولي على نفسه، ويدفعه في أعماله.

إعجاب الملك مصيبسا بيوغورطة وتبنيه:

      وكان الملك مصيبسا معجبا بيوغورطة، فضمه إليه، ثم تبناه في سنة 120 وصار كأحد أبنائه من صلبه. وكان يستكفي به في مهمات الدولة، ويعتمد عليه في الشئون الكبرى، ويستشيره في المشاكل، فيقوم بكل هذه المهمات كما يريد مصيبسا. فرشحه للملك من بعده، ولكن لا بد من إشراك واديه هيمصال وآدربعل معه في الملك. أنهما ابناه لا يمكن حرمانهما منه.

إشراك مصيبسا لابنيه مع يوغورطة في الملك:

    وطغت غريزة الوالدية على مصيبسا، ورانت على عقله وحكمته، فلم يحسن الاختيار للدولة، ولم يتقيد بالقانون المعهود عند آل نارفاس في وراثة الملك. ان العادة ان يتولى الملك أسن رجل في العائلة. قد يكون الآسن الصالح للملك هو يوغورطة. كان يجب ان يترك له الملك، ولكن مصيبسا جعل الملك إرثا لعقبه، فأوصى به لابنيه، وضم إليهما يوغورطة. فصارا ابناه هما الأصل في وراثة الملك ويوغورطة فرع لهما.

    وكان هيمصال وآدربعل ضعيفين لا يستطيعان مصارعة الرومان، والقضاء على دسائسهم في المغرب. سيكونان سببا لتقسيم الدولة إلى دولتين أو ثلاث دول. ان هذا ما يعمل له الرومان سيحققه هيمصال وآدربعل. ان الدولة لفي خطر. لابد من إنقاذها، ولا يكون ذلك إلا بمنع تقسيمها، وتوحيد الرئاسة فيها. فجد يوغورطة لتحقيق هذا الغرض.

تقسيم الدولة البربرية الكبرى:

    وكانت وفاة مصيبسا في سنة 118 فاجتمع ابناه ومعهما يوغورطة في مدينة دقة في الجناح الشرقي لدولتهم. فلم يتفق الثلاثة. ان الابنين يردان ان تكون الرئاسة لهما ويوغورطة تابع لهما، ويوغورطة يراهما ضعيف لا يستطيعان القيام بما يستطيع هو ان يقوم به. ان الرئاسة العليا يجب ان تكون له هو. فاختلفوا. ثم اتفقوا على تقسيم الأموال والدولة. فاخذ هيمصال وآدربعل نوميديا وتركا موريطانيا الشرقية ليوغورطة. فابتهج الرومان بهذا الصنيع، ولكن يوغورطة ساءه ورآه هلاكا للدولة، فعزم على التخلص من ابني عمه الضعيفين وتوحيد الدولة.

اغتيال هيمصال والهجوم على آدربعل:

     وكان هيمصال بعد ان قسم المملكة ذلك التقسيم قد آوى إلى مدينة (اثمدة ) بجوار دقة  فأقام فيها للاستجمام. فدس إليه يوغورطة من قتله، فاستراحت منه الدولة. فبقي آدربعل. وكان اضعف من هيمصال. وكانت قرطة هي عاصمة آدربعل فأسرع إليها ليتحصن فيها. لقد كان مصرع أخيه نذيرا بما سيقع له. لابد من سحقك أيها الضعيف الجبان لتستريح الدولة من شر التقسيم! فجهز يوغورطة في سنة 114 ق.م جيوشه في موريطانيا الشرقية فداهم آدربعل في عاصمته. وكان آدربعل جبانا. ففر إلى رومة يستغيث بها، ويسألها ان تعينه على حفظ مملكته، وترسل معه جيشا يحارب له يوغورطة! !

دهاء يوغورطة وإحباط كيد الأعداء:

    وكان يوغورطة قد أرسل وفدا منه إلى رومة. فاستمالوا بالهدايا جماعة من كبار مجلس الشيوخ الروماني. فلما وصل آدربعل إلى روما، فذرف الدموع في مجلس الشيوخ واستعداه على يوغورطة، كان يوغورطة قد افرغ مجلس الشيوخ من باروده يعد مستعدا للانفجار. وكان الرومان بودهم ان يتدخلوا في شئون الدولة البربرية، ويهجموا على يوغورطة، ولكنهم يعلمون قوة الدولة البربرية، وكره البربر لهم. سينضمون كلهم إلى يوغورطة ليحاربوهم فيكون ذلك ليوغورطة. ان هجومهم على الدولة البربرية لا تحمد عقباه. انها لا زالت في شبابها وقوتها، لا يمكن التغلب عليها! فآثر مجلس الشيوخ الوسائل الهادئة للإبقاء على دولة آدربعل. ان انقسام المغرب وتشققه هو الذي سيخلق فيه الديدان فيسقط! لابد من بقاء دولة آدربعل. فأرسل الرومان إلى نوميديا وفدا للصلح.

حكمة يوغورطة ودهاؤه:

    كان ذلك في سنة 114 . فجمع الوفد بين يوغورطة وآدربعل . فرأى يوغورطة من الحكمة ان يرد إلى آدربعل مملكته نوميديا ليرجع إلى قرطة، فيبتعد عن الرومان الذين يمكن ان ينجدوه، فيقع في حرب لم يستعد لها. ان محاربته آدربعل تجر له حروب الرومان، فلابد من الاستعداد الكبير ليستطيع الوقوف في وجه الرومان أيضا. فرضي يوغورطة برجوع آدربعل إلى مملكته فرجع إليها إلى حين.

هجوم يوغورطة على آدربعل وقتله جزاء خيانته وإضراره بالدولة:

   لابد من سحقك أيها الخائن الجبان الذي يستنجد بأعداء دولته، ويفتح الأبواب الواسعة لدخول الذئاب العاتية إلى وطنه! ولابد من توحيد الدولة فإنها على خطر بالتقسيم! فعكف يوغورطة يستعد لحرب آدربعل ولحرب الرومان الذين قد ينجدونه. فنظم شئون مملكته، وعقد الصلات الحسنة مع جيرانه بوكوس أجليد- ( أجليد كلمة بربرية معناها الملك. أجليد بالجيم وليس الاقليد كما ذكر الأستاذ صفر الذي نقل هذه الكلمة من الكتب الإفرنجية التي حرفتها) ملك موريطانيا الغربية، ثم أكد صداقته له بالمصاهرة، فتزوج ابنته، ليأمن ظهره ا حارب الرومان. ولما أتم يوغورطة استعداده، كشر لآدربعل وعزم على سحقه. لن تفلت مني هاربا إلى رومة أيها النعجة السمينة. لابد من سحقك في قرطة! فسار يوغورطة في جيوشه إلى نوميديا ليحتلها. كان ذلك في سنة 112 ق.م بعد ثماني سنين من ولاية يوغورطة للملك. فهجم على نوميديا فاحتل غربها كله فقرب من قرطة، فخرج إليه آدربعل فوقعت بينهما معركة انهزم فيها آدربعل ففر هاربا إلى عاصمته قرطة فاعتصم بها. وكانت مدينة قرطة شديدة الحصانة بأسوارها العالية، وحصونها الطبيعية فعصمت آدربعل. فحاصره يوغورطة حصارا شديدا، وصمم على استنزاله، وشدد الرقابة عليه لكي لا يفر إلى الولاية الرومانية في افريقية أو إلى الرومان. ودام حصار يوغورطة لآدربعل في قرطة عامين. وكان في قرطة جماعة كبيرة من الرومان يحترفون فيها الصناعة والتجارة والفلاحة.

   وكانوا طابورا خامسا لدولتهم. وكانوا يكرهون يوغورطة لقوته، ويؤثرون آدربعل لضعفه. إنهم الانداء التي يرسلها الرومان على جدران الدولة لتوهنها ثم يفيضون عليها، وهم مقدمة الغزو التي يخلق بها الرومان جيشا سريا في داخل الدولة ليسهل عليهم فتحها من الخارج. فتعصب هؤلاء العمال الرومانيون لآدربعل فلبسوا السلاح فوقفوا معه وراء أسوار قرطة يدافعون يوغورطة. وكانوا يذكون الحماس في آدربعل ويحثونه على الدفاع، ويمنونه بمسير جيش من روما فيفك عنه الحصار. فتصلب آدربعل في الدفاع، وطال صبره على الحصار. وكان الرومان يقنون بان يوغورطة سيقضي على آدربعل فيوحد الدولة فيقع ما يخشونه. «فأرسلوا إليه في رفع الحصار والكف عن آدربعل مع ثلاث من النواب (وأبى ان يخاشنهم لكي لا يستفز روما للدخول في الحرب ضده) فاظهر لهم احترامه لروما، ولكنه لم يمتثل أمرها، فاستمر محاصرا لقرطة. فأرسلت إليه روما رسلا آخرين، وتعين الاجتماع بعوتيقة (عاصمة الولاية الرومانية بافريقية) فذهب إليها، وأوعز إلى جنوده بتشديد الحصار، ولما اجتمع برسل رومة اكتفى بإظهار احترامها أيضا  (تاريخ الجزائر للميلي ج 1 ص 139 ط بيروت.)

   عن محاصرة ملكها. أنا أجنبية. ليس لها حق في التدخل في شئون البربر. فرجع الوفد الروماني خائبا إلى رومة. ورجع يوغورطة إلى محاصرة آدربعل. وكان قد شدد عليه الحصار، فمنع عن قرطة الأقوات وكل المواد. فأودى بأهل المدينة الجوع. وكان كثير منهم شيعة ليوغورطة فسئموا من الحرب، وضاقوا ذرعا بالحصار، والجأوا آدربعل لمفاوضة يوغورطة، والعدول عن عناده. وأيس آدربعل من تدخل الرومان لنقاده، فاستسلم إلى يوغورطة. ودخل يوغورطة قرطة فملكها، فتتبع الرومانيين الذين كنوا في قرطة طابورا خامسا لدولتهم فقتلهم. ان مستقبله دهور قراع مع الرومان. فليبدأ بالعدو الداخلي ليأمن ظهره إذا صارعهم. إنهم قد رفعوا السلاح ضده، وحرضوا عليه. لو اقتصروا عللا الكيد لنفاهم. ولكن وجدهم في السلاح يحاربونه مع آدربعل. وكان يوغورطة يوقن بان آدربعل مريض القلب لا يمكن انم يصفو له. سيثور عليه إذا وجد الفرصة. سيثيره الرومان إذا حاربهم فيضر به من خلفه، انه عدو للدولة وخطر عليها. ثم انه قد ذهب إلى روما، واستنجد بالرومان، وهم أعداء المغرب، ففتح الأبواب للتدخل في شئونه، وفرض سلطانهم عليه ! ! ان هذه خيانة كبرى للدولة وللمغرب كله تستوجب العقاب، وليس عقابها إلا الإعدام.

   وكان البربر على حنق وغيظ على آدربعل. إنهم يتمنون ان يلاقي جزاء خيانته ويلك أيها الحمل الذي يستغيث بالذئاب، ويدعو الصلال إلى وطنه! ان جزاءك شيء براق مهول في يد الجلاد إذا هوى به عل الأعناق. فأمر يوغورطة جلاده فأهوى بسيفه على عنق آدربعل، فاستراحت الدولة، واطمأن يوغورطة.

توحيد يوغورطة للدولة واعتناؤه بالقوة العسكرية:

   كان ذلك سنة 112 ق.م. وقضى يوغورطة ست سنين وهو يجاهد بتوحيد الدولة، فتم له ما أراد وأراده كل البربر المخلصين. فضم يوغورطة نوميديا وتوابعها من افريقية وطرابلس إلى موريطانيا الشرقية فصارت كلها دولة واحدة كعهدها أيام جده مصينيسا وعمه مصيبسا. وكان حد الدولة من الشرق خليج سرت الأكبر، ومن الغرب وادي ملوية، ولا يخرج عن دولته يوغورطة من افريقية إلا الولاية الرومانية. وعادت للدولة البربرية الكبرى قوتها لما اتحدت، وراجعها شبابها لما تولى يوغورطة رئاستها، ورأى الرومان في عينيها بريق الاعتزاز والاعتداد الذي يفيض من عيون الأسود الواثقة بنفسها. فخرجت قرطة وفرحت نوميديا كلها بانضمامها إلى دولة يوغورطة. وانتقل يوغورطة إلى قرطة فجعها عاصمة ملكه. فاخذ بأزمة الدولة في عبقرية وإخلاص ليندفع بها في طريق القوة والعظمة والرخاء التي تركها مصينيسا، ويحقق أمل مصينيسا، فيضم موريطانيا الغربية إليه، ويحتل الولاية الرومانية ويقذف بالرومان في البحر ويصبح المغرب كله دولة واحدة تقف سورا حديديا في وجه الرومان لا يستطيعون اختراقه، وتصير هي المنافس الأكبر القوي للرومان في البحر الأبيض المتوسط لا يستطيعون التغلب عليه بالقوة، فاعتنى بالجيش والأسطول، وأكد في نفوس البربر ما كان قد غرسه فيها جده مصينيسا من تمجيد القوة، والتجرع بها في الأخلاق، وفي الجيش والأسطول، وفي كل نواحي الدولة. وكان يوقن بان مستقبل البربر دهور نضال وحروب مريرة مع الرومان الجشعين المعتدين الأقوياء. فلفت أنظار شعبه إلى الناحية العسكرية، ومجد البطولة والفروسية وجعلها سببا للتقدم في الدولة والنباهة في المجتمع. ورسم على احد الوجهين في نقوده صورة لبطل بربري قوي ومعه جعبة سهامه، وكنانة ذخيرته الحربية، كما رسم في نقوده الفيل وهو اكبر عدة للحروب في ذلك الزمان. انه كالدبابة الثقيلة يغني غناءها في الهجوم والدفاع. ورسم في نقوده الفرس تمجيدا للفروسية، وتحبيبا لها إلى البربر.

   كانت القوة هي شعار دولة يوغورطة. انه نزاع إلى الاعتناء بدولته في كل النواحي، ولكنه رأى بنظره البعيد شر الرومان والغزو الروماني يحيق بدولته فاعتنى بالقوة أكثر ومجدها، وعلم البربر حب القوة وتعظيمها والحرص عليها في كل نواحيهم في أخلاقهم، وأجسامهم، وفي كل نواحي حياتهم. واراهم بما رسم في نقوده من شعارات القوة مع رسمه ان الملك إذا كان هو الرأس الذي تحيا به الدولة فالجيش وأبطالها وقوتها العسكرية هي الجهاز العظمي الذي لا تحيا بدون سلامته وقوته. وكان يوغورطة كما اعتنى بالناحية العسكرية في دولته قد اعتنى كثيرا من الاعتناء بنواحيها الأخرى. سيما الفلاحة. فقد اعتنى بها كل الاعتناء ورسم النخلة في نقوده تمجيدا للفلاحة وإشعارا للبربر بأنها سبب الغنى، وهي الأم الولود للنقود الكثيرة، سيما النخلة التي عرف البربر فضلها فاستكثروا منها في المغرب. وكانوا أكثر الأمم اعتناء بها.وقد ضرب الملك يوغورطة النقود باسمه، واعتنى بكل ما يسعد الدولة ويقويها. وكان ملكا عظيما، ومن الأفذاذ الذين أورثوا المغرب عزته فرفع رأسه.

   كان أمل يوغورطة امن يوحد المغرب كله في دولة واحدة متحضرة، غنية قوية متحابة متحدة كل الاتحاد ان المغرب وطن واحد، وأمة واحدة، ودين واحد. فلم انقسامه إلى دول تتناطح، وجهات تتنابذ، وتجزئته إلى أجزاء صغيرة يسهل على الأعداء ابتلاعها ! لابد من توحيد المغرب لينجو من خطر الرومان، ويسعد ويهنأ ويسود. هذا هو أمل يوغورطة، وهو أمل مصينيسا من قبله. فابتدأ يستعد ويتأهب، ولكن الرومان كانوا بالمرصاد. فعاجلوه قبل ان يستعد. فجهزوا جيوشهم الجرارة فأرسلوا عليه. فوقعت في المغرب الزلازل الكبرى، فلمن تكون الدائرة يا ترى؟

حروب يوغورطة مع الرومان 111 – 105 ق.م:

    كان الرومان في النصف الأخير من القرن الثاني قبل الميلاد قد عزموا على القضاء على الدولة البربري الكبرى التي تجاورهم، وتقف في وجوههم ليتأتى لهم غزو المغرب وامتلاكه. ولكن القضاء عليها بالسيف لا يمكن لأنها دولة قوية، شجاعة، واسعة الأرجاء، كثيرة الجند، والبربر كلهم سيهبون لقتالهم، وهم في الشجاعة، والثبات في درجة كبيرة لا يمكن معها إخضاعهم بالقوة. فعولوا علي الكيد لهذه الدولة ليضعفوا فيسهل القضاء عليها. ولما قسم أبناء مصيبسا تلك الدولة وتولى الملك في القسم الذي يجاورهم آدربعل الضعيف ابتهجوا وسروا. فرأوا في ذلك التقسيم ضعفا للدولة وفي ولاية آدربعل سببا كبيرا للهرم الذي سيسرع إليها، فيستطيعون التحكيم فيها، والقضاء عليها. وهب يوغورطة فوحد الدولة، وأعادها إلى حالها في عهد مصينيسا، وشمر لتوحيد المغرب كله ليكون دولة واحده فيغزو بها الولاية الرومانية في افريقية فيظهرها من الرومان، ويغلق المغرب في وجوههم إلى الأبد. فارتاع الرومان باتحاد الدولة، وتولي يوغورطة الملك فيها. وكانوا يعرفوا كفاءته وعبقريته، وما سيورثه للدولة وللمغرب كله من قوة وشباب فيتعذر التغلب عليه؛ ويعرفون عداوته لهم، وعزيمته فيهم. لقد قتل الرومانيين الذين وجدهم في قرطة، ولم يبال بطلب روما التي تضرعت إليه ان يكف عن مقاتلة آدربعل الذي طلب حمايتها فواعدته بها. ان يوغورطة عدو اللدود يجب القضاء عليه. وهو شباب الدولة وقوتها، فلا بد من القضاء عليه ليتأتي لهم أضعاف الدولة البربرية والقضاء عليها ! يجب ان يعاجلوه بالحرب قبل ان يستعد لحربهم.

   لا تزال جروح دولته بحروبه مع آدربعل دامية لم تندمل، ولا يزال الإعياء الذي أصابها في تلك المعارك يوهن قوتها، ولا يزال التصدع الذي أحدثته في دولته مصيبة التقسيم، وبلاء الفتن لم يرأب. إنهم إذا أمهلوا يوغورطة سنين أخرى، وأصلح شئون دولته ووحد المغرب كله تحت رايته لم يستطيعوه. فاتفق مجلس الشيوخ الروماني على محاربة يوغورطة وإزالته من الملك.

   وكان النظام الجمهوري الذي تقوم عليه الدولة الرومانية يقضي بان تختار الدولة كل عام رجلين يقومان بالسلطة التنفيذية فيها. ومن وظيفتهما رئاسة مجلس الشيوخ، وقيادة الجيش. ويسمون الرجلين بالقنصلين. وكان الرومان اكبر دولة في ذلك الزمان. وكانت دولتهم قوية شجاعة، كثيرة الجند، قد استعدت منذ زمن طويل لامتلاك دول البحر الأبيض المتوسط كله. وكانت قد استجمت من حروبها الكبيرة، واستطاعت ان تؤلف اكبر جيش من خيرة أبنائها المدربين الأقوياء، فأرسلته مع القنصل بستيا ليحارب يوغورطة.

    كان ذلك في سنة 111 ق.م. فلم بشعر يوغورطة إلا والجيش الروماني يزحف من الولاية الرومانية إلى حدود دولته الشرقية، فأسرع إليه ليصده عن دولته، فوقع اللقاء حول مدينة باجة في الشمال الشرقي للدولة البربرية. فوقعت حرب كبيرة بين يوغورطة والرومان. انتهت بفوز الرومان وتغلبهم لأنهم كانوا أكثر استعداد لهذه الحرب من يوغورطة. وكانت روما تريد من قائدها القنصل بستيا ان يضرب يوغورطة في المعركة الحربية ضربة كبرى ثم يقيده بشروط ثقيلة، وغرامات حربية باهضة توهنه، وتقيده ليقضوا عليه متى شاءوا. ولكن يوغورطة كان داهية. فما ان رأى كفة الرومان ترجح في المعركة وأيقن ان الغلبة لهم حتى سعى لإيقاف الحرب ليستعد الاستعداد اللازم لمواجهة الرومان في معركة أخرى، ويحفظ دولته من توغل الرومان فيها. فطلب الصلح من بستيا فأجابه إليه، لأنه يوقن انه يمكن التغلب على يوغورطة في جولة واحدة، وخاف ان ترجح كفة يوغورطة في الحرب إذا استمرت لما يعرف من شجاعة البربر واستماتتهم في الحروب.

     وكان يوغورطة داهية قد عاشر الرومان وعرف نفوسهم، وعلم حبهم للمال وعبادتهم له، ودرس نفس بستيا قائد الرومان فعلم انه يستطيع رشوته بالمال، فيخفف شروط الصلح. فدس إليه البدر الثقيلة، والهدايا النفيسة، فأجابه لما أراد. فانسحب من تراب الدولة البربرية الذي احتله. وتساهل معه في شروط الصلح فكانت شيئا خفيفا لا يهبط يوغورطة ولا يضعفه. لقد اشترط عليه ان يدفع إليه أفيالا، وخيلا، وأنعاما وأموالا. فخرج يوغورطة من الحرب التي لم يستعد لها. وكان ينكسر فيه انكسارا كبيرا. ونجا بدهائه وحسن تصرفه، فعكف على جيشه يقويه، وعلى دولته يعدها للقراع الطويل. وسمع مجلس الشيوخ الروماني بنجاة يوغورطة من قبضتهم، وانتصاره بدهائه. عليهم، فعزموا على امتحانه وإدانته، لينقضوا الصلح الذي ابرمه معه بستيا، فيجددوا الكرة عليه. فنهض يوغورطة فخاض معركة ديبلوماسية كبيرة مع الرومان فانتصر عليهم انتصارا كبيرا. ما هي هذه المعركة وأين وقعت؟

انتصار يوغورطة على الرومان في المعركة الديبلوماسية الكبرى:

   كان مجلس الشيوخ الروماني يتتبع أنباء جيوشه التي أرسلها لمحاربة يوغورطة بكل اهتمام. وكان يعلق فيها آمالا كبرى. ولما بلغه نبأ انتصار بستيا على يوغورطة، امتلأ سرورا، ورقص للبشرى. ولكنه لما عرف ان بستيا قد أوقف الحرب قبل ان يحتل باجة، وهي العاصمة في الناحية التي وقعت فيها المعركة، ويتوغل في الدولة البربرية حتى يطأ ارض نوميديا، وعرف شروط الصلح الخفيفة التي وضعها بستيا على يوغورطة، خابت آماله في بستيا في الجيش، فاستشاط غضبا، وشعر بالرشوة التي استمال بها يوغورطة قائدهم وقناصلهم بستيا، فقامت قيامة أعضاء مجلس الشيوخ، وعزموا  على محاكمة بستيا، وعلى نقض الصلح، وتجديد الكرة على يوغورطة. فأرسلوا إلى يوغورطة يستدعونه إلى رومة ليناقشوه في الصلح. وكانوا يعتقدون انه سيمتنع عن القدوم فيجعلون ذلك سببا لإبطال الصلح، وشن الحرب عليه.

    وكان يوغورطة لدهائه يتظاهر بالصداقة لروما، ويخفي عداوته الشديدة لها. وأشاع ان بستيا لم يوقف الحرب، ولم يخفف شروط الصلح إلا لعلمه بنواياه الحسنة للرومان، وصداقته القوية لروما. ولما استدعوه إلى روما عزم على الذهاب رغم ما في وقوعه في أيدي مجلس الشيوخ الروماني من خطر القبض عليه، وخطر اغتيال أعدائه الكثيرين له في روما. لقد رأى بذكائه ان امتناعه عن الذهاب إثبات للتهمة التي يحرص مجلس الشيوخ على إثباتها في بستيا الذي أحسن إليه، وخفف شروط الصلح عليه، ونقض لما يتظاهر به من صداقة للرومان وحسن نيته لهم. ان أعدائه من شيعته آدربعل ومن الرومان في روما كثيرون. سيجدون في امتناعه عن الذهاب الحجة لما يؤكدونه من عداوة يوغورطة للرومان، ويجد فيه مجلس الشيوخ سببا لإثارة حرب كبيرة عليه وهو لم يستعد لها بعد. وكان الرومان يرونه الخطر الكبير الذي يهددهم من المغرب. ان الذهاب إلى رومة هو ما تدعو إليه الحصافة والدهاء فركب يوغورطة في حاشيته فاقلع إلى روما.

   وكانت أيدي يوغورطة التي سيصافح بها مجلس الشيوخ الروماني ما زالت تقطر بدماء أبنائهم الذين قتلهم في قرطة، وفي الحرب التي خاضها معهم في افريقية، ولكنه مع ذلك ذهب إلى عاصمتهم اعزل لا جيش معه، وهو واثق بأنه سينتصر بدهائه لى مجلس الشيوخ الروماني، ويحبط كيد كل أعدائه، وينال كل أغراضه في روما، ويرجع إلى عاصمته قرطة مكللا بالفوز الباهر. ووصل يوغورطة إلى روما فوجد مجلس الشيوخ متأهبا لإدانته والقبض عليه، وإدانة بستيا والحكم عليه بالإعدام. ولكن يوغورطة كان قد عاشر الرومان فعرف نفوسهم. إنهم يعبدون المال، ويقدسون بريق الذهب ! ان بدر الدنانير البربرية الوهاجة هي الدلاء التي ستطفئ النار المتأججة عليه. فاتصل بنائب من نواب الشعب في مجلس الشيوخ اسمه بابيوس، وكان كثير الأتباع في المجلس، ذا لسن ونفوذ، فرشاه بمال كثير، وبهدايا نفيسة من طرف المغرب، فواعده بالدفاع عنه في مجلس الشيوخ، وسد كل الأبواب التي سيحرجه بها أعضاؤه، والوقوف بجانبه في كل الأزمات التي تعترضه في روما. وانعقد مجلس الشيوخ. فدخل يوغورطة في لباسه الملوكي، وفي هيئته المهنية، وهو رافع الرأس، مشرق الطلعة، لا يهاب احد ولا يخاف شيء. فابتدأ الأعضاء المتصلبون المتضرمون الكلام ليقدوا عليه صدور المجلس، ويثبتوا فيه عداوة روما، ورشوة لبستيا، فيقيض الرومان عليه، فانبرى لهم بابيوس، فدافع عن يوغورطة، وقال انه صديق روما.

    لقد حارب بجانبها في اسبانيا، وهو الذي فتح للرومان مدينة نومنسة. لولاه ما فتحوها، وما انتصروا ذلك الانتصار الكبير ! ان بستيا قد أحسن صنعا بمجاملة هذا الصديق ! ان محاربة الملك يوغورطة غلط من روما قد أدركه بستيا لما وصل المغرب فأوقف الحرب، وان ما عرفه من حسن نوايا الملك يوغورطة للرومان هو الذي جعله يخفف شروط الصلح عليه. ان بستيا قد أحسن صنعا بذلك ولم يفعل إلا ما توجبه مصلحة الدولة العليا. ان الإخلاص والنصح لروما هو الذي دفعه لإتيان ما أتى ! ان يوغورطة صديق الرومان. لولا صداقته وحسن نيته ما حضر إلى عاصمتنا. ثم وجه الكلام إلى يوغورطة قائلا: لا تجب عن الأسئلة التي وجهها إليك المجلس. إنما يستجوب المتهم، ويناقش المذنب. أما أنت فبرئ وعار على روما ان تعامل ضيفها الكبير معاملة المجرمين ! فاستطاع بابيوس بدفاعه وكثرة أتباعه في المجلس ان يشل مجلس الشيوخ فلم يدن يوغورطة بشيء. فخرج منه يوغورطة كما دخل شامخ الرأس، مشرف الوجه بالانتصار الذي حازه على شيوخ روما، وصفوتها المختارة. وأحس شيوخ روما بيوغورطة يمرغهم في التراب، ويمشي بنعليه على رؤوسهم ! فخرجوا من مكان الاجتماع منكسين كاسفين.

قضاء يوغورطة على مصيفا الذي يخون دولته:

   وكان في روما مصيفا بن غولوسة. وهو من شيعة آدربعل. وكان يثير الرومان على يوغورطة، ويسألهم ان يبعثوا جيوشا للقضاء عليه، ليتولى هو الملك فيكون لهم كما يريدون في المغرب. وكان الرومان يدخرونه لوقت الحاجة. فدس إليه يوغورطة من قتله في قلب روما. فازداد حنق الرومان على يوغورطة. ان يقينهم ان يوغورطة هو الذي قتله، ولكنهم لا يجدون دليلا يثبت جريمته. من يدري. لعل يوغورطة قد احتج وثار واتهم الرومان بقتل ابن عمه، فخاف الرومان من بقاء هذا الداهية الجرئ في روما. فد يكيد لهم كيدا يعرض دولتهم للخطر، فأمروه بالخروج من روما. فخرج يوغورطة من روما. وقبل ان يغادرها نظر إليها وعلامات الاحتقار والازدراء تفيض من وجهه فقال قولته المشهورة: »روما ! مدينة مباعة لمن يريد شراءها ! » فركب سفنه ورجع إلى المغرب فعكف على جيشه يعد للملاحم الكبرى، وعلى شعبه يهيئه للصراع الطويل. ان الرومان لا يمهلونه طويلا. ثم وقعت الحروب الهوجاء مع الرومان فانتصر عليهم يوغورطة انتصارا رائعا ومرغهم في التراب؟ ومتى وقع ذلك، وفي أي مكان؟

تجديد الحرب بين يوغورطة والرومان وانتصار يوغورطة عليهم:

    كان مجلس الشيوخ الروماني شديد الحنق على يوغورطة، سيما بعد ما ارتكب فيهم في روما. لقد افلت من قبضتهم بدهائه، وقتل صنيعتهم مصيفا وهو في حجرهم وفي عاصمتهم. انها جرأة كبيرة لا تحتملها الكبرياء الرومانية. وهاهو يعود إلى دولته ليستعد لحربهم، ويهيئ المغرب للانقضاض عليهم، لابد من معاجلته قبل ان يستعد. ان إمهاله سنين يجعله راسخ العروق لا يستطيعون اقتلاعه. فأمروا جيشهم الكبير المرابط في الولاية الرومانية بافريقية بالهجوم على يوغورطة، وعينوا لقيادته القنصل البينوس. وهو قائد كبير من قوادهم يثقون بنزاهته وإخلاصه لروما. لا يستطيع يوغورطة ان يشتريه بالمال. كان ذلك في سنة 110 ق.م. بعد قليل من وصول يوغورطة من رومة، فزحف البينوس بجيشه الكبير على نوميديا فوجد يوغورطة في انتظاره. فوقعت حرب عنيفة بين الطرفين ابدي فيها الجيش الروماني شجاعة ومهارة في القتال. وكان البينوس ماهرا في قيادته وفي خططه، ولكن البربر كانوا أشجع، وكانوا يحامون عن دولتهم ويوغورطة كان امهر في القيادة، وأقوى في الهجوم. فمال على الجيش الروماني فهزمه شر هزيمة، وشتت شمله، فولى الأدبار إلى معاقله في الولاية الرومانية.

    وكان مجلس الشيوخ والرومان كلهم يرقبون سير المعركة. فعلموا بهزيمة جيشهم فازداد احتدامهم على يوغورطة. فعينوا قائدا ثانيا لحربه كان أقوى وأكثر كفاءة من البينوس هو أخوه الوس. وكان ذلكم في سنة 110 أيضا. فنظم الوس جيشه ونفخ فيه روحه، وأذكى فيه الشجاعة الرومانية الممتازة، وصمم ان يثار لأخيه الذي عفره يوغورطة بالهزيمة. وسار نحو نوميديا وهو مصمم ان يهزم يوغورطة، ويحتل مدينة (ستول) التي اتخذها مركزه، وهي قرب مدينة فالمة. فوجد يوغورطة في انتظاره، فدارت بينهما قرب (ستول) معركة فظيعة ابدي فيها الجيش الروماني كل شجاعته ومهارته، واظهر فيها الوس عبقريته في القيادة، وجهاءه وشجاعته الكبرى. فكر عليه يوغورطة في جيشه البربري الباسل فهزمه شر هزيمة، وقتل من جنوده مقتله كبرى، ومزق جيشه شر تمزيق، وأحاط به جند يوغورطة فرأى الوس الموت الأحمر يهجم عليه من كل جانب، فطلب إيقاف الحرب، واستسلم هو وجنده إلى يوغورطة.

عزة الرومان وشموخهم وإذلال يوغورطة لهم:

    وكان الجيش الروماني لشجاعته، ومهارته في الحرب، وإخلاص رجاله مظفرا في حروبه التي خاضها مع دول البحر الأبيض المتوسط، وفي وسط أوروبا وآسيا لم يعرف الانهزام والاستسلام ! وكانت تربيته الرومانية القوية، وعزته القومية، وتعوده الانتصار على الأمم في حروبه قد أورثته شموخا، وعلمته ان يكون دائما رافع الرأس لا يطأطئ لأحد. وكان يوغورطة يعرف فيهم وفي دولتهم ذلك الشموخ ! وكان يعلم ان ارتفاع الرومان في حبل المشنقة أسهل عليه. من الركوع أمام عدوه! فأراد ان يظهر لهم عزة الأمة البربرية، ويؤد بهم على شموخهم وكبريائهم على الناس! فنصب حبلا طويلا على العرض، وقربه من الأرض فوقف هو وجيشه بجانبه في مكان عال فأمر الوس وجنده ان يمروا من تحت الحبل. فكانوا يمرون إمامه عزلا من السلاح، والذلة تعلوهم، فإذا وصلوا إلى الحبل طأطأوا ليمروا من تحته، فتكاد جباههم تمسح الأرض من شدة الانحناء! وكان هذا الركوع وذلك الاستعراض اشد عليهم من الذبح بالشفرة الكليلة، والحرق بالنار الضعيفة! وبعد ان أدب يوغورطة الوس والجيش الروماني، وأمره ان يغادر دولته سريعا إلى الولاية الرومانية، واجله عشرة أيام. وأبقى جيشه مجردا من السلاح، مهانا تعلوه الذلة والصغار!وكان مجلس الشيوخ الروماني كلهم يرقبون سير الحرب مع يوغورطة.

   فبلغتهم أنباء هزيمتهم الشنعاء، ورأوا قائدهم الكبير وجيشهم ينكسون رؤوسهم ليوغورطة، ويرتكب فيهم يوغورطة ما لم يعهدوا مثله في كل حروبهم فثارت ثائرة الرومان الأقوياء، واقسموا ان ينتقموا من يوغورطة، ومن البربر، وان يرسلوا عليه من جيوشهم الجرارة ما يضمن لهم الفوز عليه! وكان الرومان امة حربية، وأقوى دولة في ذلك الزمان. فتفرغت لحرب يوغورطة، وأرسلت عليه جيوشها الجرارة. فماذا وقع ليوغورطة بطل المغرب مع الرومان؟ الهجوم الروماني الكبير على يوغورطة

حروب ميتلوس مع يوغورطة:

   كان الرومان يتضرمون غيظا، ويتقدون حنقا على يوغورطة. ان رؤوسهم لا تعرف الإنحاء، ونفوسهم لا تطيق الخضوع، سيما في ميدان القتال الذي يفتخرون بالتفوق فيه. إنهم أقوى امة حربية في ذلك الزمان! لقد حاربوا أمما أكثر عددا من البربر ، وملوكا أوسع دولا من يوغورطة، فهزموا تلك الأمم، واخضعوا أولئك الملوك. فها هو يوغورطة يهزمهم، ويسومهم الركوع والإنحاء تحت حبل المذلة، وها هي الأمة البربرية الباسلة تمرغهم في التراب. ان كل رئيس من رؤساء الرومان، وكل حر أبي من امة الرومان الأبية، ليحس بذلك التراب الذي مرغ فيه يوغورطة جنودهم تغص به عيناه فتفيض عبراته من شدة التأثر والإباء! لابد ان يسترد الرومان هيبتهم في الدنيا! ان الأمم التي تخضع لهم سترفع رءوسها وتثور عليهم إذا دامت رءوسهم معفرة، ويوغورطة يركبهم بالهزائم في المغرب.

    إنهم إذا لم يعالجوه بحرب واسعة عاصفة فانه سيزحف على ولاية الرومانية ويقذفهم في البحر، ويطردهم من افريقية. فيومئذ تتجرأ كل مستعمراتهم فتثور عليهم، ويومئذ يفقدون في العالم تلك الهيبة التي يخضعون بها الشعوب. لابد من التغلب على يوغورطة والقضاء عليه! انه بطل صنديد، وداهية عبقري، والبربر امة شجاعة باسلة. فلا بد من التفرغ لحربها، وإرسال جيوش قوية تكون أضعاف جيش يوغورطة، تحيط به، وتتكاثر عليه. ولابد من إرسال قائد بل قواد دهاة يصولون على يوغورطة بدهاء كدهائه، ويشهرون عليه سلاح الكيد البارع، ويحسنون منازلته في الحروب النفسية.

اختيار القنصل ميتلوس لمحاربة يوغورطة:

     وجهز مجلس الشيوخ جيوشه الجرارة، وأرسلها تحت قيادة ابرع قواده وهو القنصل ميتلوس. وأرسل معه القائد الكبير ماريوس. فسار ميتلوس حتى نزل في عوتيقة عاصمة الولاية الرومانية في افريقية. فوجد فيها الجيش الروماني قد قتلته الهزائم، وخنق الشجاعة والثقة بالنفس في صدورهم ذلك الحبل الذي نصبه يوغورطة فركعوا على أقدامه تحته. وصاروا بعد ان مرغهم في التراب كالشعلة التي تدسها في التراب فتنطفئ! وكان يوغورطة غولا يرهبهم شبحه ويرعبهم في اليقظة والمنام. فتمردوا قوادهم، وصاروا يهربون من الجيش خوفا يكلفوا بمحاربة يوغورطة. فعمد ميتلوس إلى هذا الجيش الميت فأحياه، ونفخ فيه الثقة بالنفس، وأورثه الأمل في النصر بما جاء به من الجيوش القوية من روما، فاختلطت بالجيش المنكسر فأفاضت عليه من قوة نفوسها. ونظم ميتلوس جيوشه أحسن تنظيم، وقسمها قسمين، قسم يقوده هو وقسم يقوده ماريوس. فسار إلى محاربة يوغورطة. وكان ميتلوس من أسرة ما جدة، وتولى منها قبلة ستة قنصل رأسوا الدولة الرومانية. وها هو يقع اختيار دولته عليه قنصلا يرأسها ويقود جيوشها. وكان قائدا داهية، مخلصا لدولته، قد صمم على استرجاع هيبتها والانتصار على يوغورطة.

    وكان يوغورطة يعرف ميتلوس فاستعد لحربه. ان الجيوش الرومانية أضعاف جيشه، ولكنه مع ذلك صمم على القتال. فأسرع من نوميديا، فوقع اللقاء بينه وبين الرومانيين في جنوب مدينة )باجة( قرب وادي تاسة. وكان ذلك في شهر أغسطس من سنة 109 ق.م. وكان ميتلوس قد اخترق الحدود الشرقية الشمالية للدولة البربرية فاحتل باجة وعاث فيها فسادا. فوقع اللقاء بينه وبين يوغورطة في جنوب باجة فوقعت معركة رهيبة بين البربر والرومان، فقتل يوغورطة من جيش ميتلوس عددا كبيرا. وكان جيش ميتلوس أكثر عددا وكان قويا باسلا، فاستطاع ان يحوز النصر. وكانت الغلبة له في هذه المعركة. فتقهقر يوغورطة في نظام نحو الجنوب الغربي فعسكر في شمال تبسة فاستعد هناك لمحاربة الرومان. وكان قد قسم جيشه قسمين تحت قيادته هو وقسم تحت قيادة قائده بوملكار.

إيثار يوغورطة لحرب العصابات في مقاتلة الرومان:

    فزحف ميتلوس في جيوشه الجرارة فاحتل مدينة سيكا «الكاف » وغيرها من المدن في طريقه إلى يوغورطة، فوقع اللقاء في شمال تبسة، فاشتعلت معركة رهيبة بين يوغورطة وميتلوس. فرأى يوغورطة ان جيش الرومان أضعاف جيشه في العدد. وانه لا يستطيع مصافته، وخوض المعركة الفاصلة معه. فعزم على حرب العصابات، وأسلوب الكر والفر الذي يتقنه البربر، ويليق بالجيش إذا داهمته جيوش أقوى منه. فتقهقر إلى جنوب تبسة، ليجتذب جيش ميتلوس إلى الصحراء التي لا يطيق الرومان حرها ولا يعرفون مسالكها. ان هذه الحروب العنيفة لتقع في آخر الصيف وفي أول الخريف، في شهور لا يطيق فيها الرومان حر الصحراء. وفي الصحراء الجيتوليون الأشداء الذي يعينون يوغورطة على الرومان، فيكر عليهم بعد ان يكون الحر قد أرهقتهم فيهزمهم ويقصم ظهورهم بضرباته. فتنبه ميتلوس إلى كيد يوغورطة فلم يتبعه. وعكف على شمال تبسة بفتح مدنها، وينكل بالبربر فيها، ويفسد مزارعهم، ويتلف أموالهم، ويهتك حرماتهم، ويأتي كل ما يسوله الحقد والضغينة والغطرسة له، ليشفي غليله من البربر، ويستفز يوغورطة فيخوض معه المعركة الفاصلة في المكان الذي يختاره هو. وكان يوغورطة يشن حرب العصابات على ميتلوس، فيكر على جيشه فيفتك به، حتى إذا استعد له وجد يوغورطة قد اختفى. فكان يوغورطة يصيب من الرومان ولا يصيبون منه. واستكلب الشتاء، وكثرت الأمطار، وأحس ميتلوس بالإعياء، وعلم ان يوغورطة لا ينازله في معركة فاصلة، وانه سيواصل عليه حرب العصابات، ويضعف حماس جيشه بضرباته الخاطفة، وبطول الزمان الذي يقضيه في مكانه ثم لا يفوز بنصر عليه، وكان يوغورطة يغتنم فيه الفرصة كلما وجدها، فيهجم عليه هجوما سريعا فيصيب منه ثم يختفي. فأيقن ميتلوس ان الانتصار على يوغورطة وهو يشن عليه حرب العصابات، ويعتصم بالجبال الوعرة التي لا يستطيع اقتحامها، والصحاري المجهولة التي لا يقدر جيشه على الحرب فيها، والعيش في رمالها وشعابها؛ ان انتصاره عليه وهو يحاربه بأسلوب العصابات لا يمكن، فعزم على الكيد له. فرجع إلى الولاية الرومانية. وأرسل إلى بوملكار قائد يوغورطة من سوس له بمن أراد.

    كان ذلك في سنة 108 ق.م. وكان بوملكار قائدا بربريا من أركان يوغورطة في حربه، ومن مستشاريه، يثق به، ويسكن إليه، ويعتقد فيه الصفاء والإخلاص، والغيرة على الوطن. وكان بوملكار طموحا يحب الرئاسة والتقدم. فأرسل إليه ميتلوس يعده بالملك وبدولة يوغورطة ان أعانهم على اغتيال يوغورطة أو القبض عليه. فمال بوملكار إلى متيلوس، وخان ملكه، وتنكر لدولته، فشرع في الكيد ليوغورطة في الخفاء ليوقعه في قبضة الرومان. فشعر به يوغورطة فقتله، وخلص الدولة من شروره.

فظائع الرومان في المدن البربرية وفي المدنيين العزل:

   وكان الرومان قد فتحوا مدنا كثيرة في الجناح الشرقي للدولة البربرية، في افريقية وفي نوميديا الشرقية. وكانوا يقتلون الأبرياء، ويهتكون الحرمات، ويأخذون الأموال، ويفسدون المزروعات، ويطلقون أيدي العيث والتخريب في أموال البربر، ليرهبوا البربر، ويخضعوهم. ولكن البربر لا يخضعون. لا يكاد جيشهم يفارق المدينة المغزوة حتى تثور المدينة، وتنكل بمن بقي فيها من الرومان، وتظهر ولاءها ليوغورطة، والاستعداد للنضال معه، ومدافعة الرومان المعتدين على الوطن.

    وكانت مدينة باجة هي عاصمة نواحها في الشمال الغربي لافريقية. وكانت من المدن الأولى التي احتلها الرومان من الدولة البربرية، وعاثوا فيها فسادا، فصارت ترقب الفرصة للثورة والانتقام. «وفي شتاء 108 اغتنم أهلها فرصة الاحتفال بعيد الآلهة سيريس وهو عيد الزراعة، ففتكوا بجميع الرومانيين وأهلكوهم عن أخرهم. ولما بلغ ذلك متيلوس أسرع إلى تلك المدينة بنهبها »(  مدينة المغرب العربي ج 1 ص 280 ط أولى بتونس) ونكل بأهلها وأغرقها في الدماء. وهزم على تتبع يوغورطة لعله يلتجئ إلى حصن فيحاصره فيه،ولعله ينازله في معركة فينتصر عليه. وكان يوغورطة متحصنا في جنوب افريقية، يغير من هناك على الرومان فينهال عليهم بضرباته. وبعد ان فعل ميتلوس بباجة ما فعل، زحف بجيوشه على جنوب افريقية، إلى ان أدرك يوغورطة في مدينة (تالة) وكان قد اتخذها معسكره، وكانت مدينة كبيرة حصينة، وهي غير تالة المعروفة اليوم في جنوب تونس ولكنها في نواحها، فحاصر ميتلوس تالة، وأحاط بها بجيوشه، وشدد الرقابة عليها لكي لا يفلت منها يوغورطة، ودام حصاره أربعين يوما، ثم استطاع ان يفتح المدينة، ولكنه لم يجد فيها يوغورطة ولا أمواله ولا أولاده. لقد خرج. بدهائه من المدينة في كل أثقاله ولم يشعر به الرومان. فهب ميتلوس المدينة، وأغرقها في الدماء، ثم هدمها وأزالها من الوجود لكي لا يتحصن فيها يوغورطة. ثم نظر يبحث عن يوغورطة فوجده في الصحراء يتمنى ان يتبعه إليها، ولكن ميتلوس خاف من تتبع يوغورطة آثر ان يحاربه في الشمال. فزحف في سنة 108 ق.م. على نوميديا الشرقية والوسطى حتى وصل إلى قرطة فاحتلها واتخذها مقرا له ولجيشه.

    وكان يريد ان يستفز يوغورطة ليخرجه من الصحراء، ولكن يوغورطة كان داهية، فلم يخرج من الصحراء، فبقي فيها يعد العدة ليكر على الرومان.

استنجاد يوغورطة بالجيتوليين وبصهره بوكوس وزحفه على الرومان:

   وكان يوغورطة يعلم ان شمال المغرب لا يعصمه من الرومان. إنهم بجيوشهم الجرارة الباسلة هم الأقوى ولكن الصحراء تعصمه. فبوده لو اجتذب الرومان إليها ليكر عليهم بإعانة الجيتوليين الشجعان فيقضي عليهم. فالتجأ إلى الصحراء بجنوب افريقية فاعتصم بها. فاتصل برؤساء القبائل البربرية في جيتوليا فدعاهم إلى محاربة العدو فأسرعوا إليه برجالهم الأبطال. ثم إلى صهره بوكوس الأول ملك موريطانيا الغربية، فخوفه من شرور الرومان على المغرب، وأوقفه على نواياهم السيئة لدولته، وآثار فيه وفي أهل دولته الحماس والغيرة، فهبوا لمدافعة العدو ومجالدته، وإعانة يوغورطة في القضاء عليه.. فسار جيش بوكوس فانضم إلى يوغورطة. فكثر جنده، ووجد القوة العسكرية التي يستطيع بها مقابلة الرومان. وكان يوغورطة قد اتخذ في سنة 108 مدينة قفصة معسكره بعد ان هدم ميتلوس مدينة تالة التي كان متحصنا بها. فجهز جيشه فسار من مدينة قفصة في جنوب افريقية الغربي ليهاجم الرومان في نوميديا. فسمع ميتلوس بمسيره فخرج من قرطة فنزل مكانا يستطيع فيه الدفاع.

عزل ميتلوس وولاية ماريوس قيادة الجيش الروماني بالغرب:

    ودخلت سنة 107 وكان ميتلوس يتهيأ لخوض المعارك الطاحنة مع يوغورطة في نوميديا. وكان قد أمضى حوالي سنتين وهو يحاول التغلب على يوغورطة والانتصار عليه في معركة حاسمة فلم يستطع، فاستعصم الرومان قائدهم وقنصلهم ميتلوس، فانتخبوا في سنة 107 زميله جايوس ماريوس قنصلا وقائدا لجيشهم في المغرب. فسمع ميتلوس فرجع مغضبا إلى رومة قبل ان يصل يوغورطة إليه. وكان ماريوس اقل ذكاء من متيلوس، ولكنه أكثر جرأة وإقداما، وخبرة بالحروب. فاختاره الرومان لمقارعة يوغورطة، فأرسلوا جيشا كبيرا. فوصل نوميديا فتسلم أزمة القيادة، واستعد لملاقاة يوغورطة.

حروب ماريوس مع يوغورطة:

إفساد ميتلوس لقلب بوكوس على يوغورطة:

   كان بوكوس بعد ان استجاب لمحاربة الرومان، وأرسل جيشه إلى يوغورطة قد داخله ميتلوس فواعده وأوعده، وأفسد قلبه على يوغورطة ! فشعر يوغورطة بذلك ففت في عضده. فخاف ان يشتبك بماريوس في معركة كبرى فيضربه بوكوس من خلفه، ويوعز إلى قواد جيشه فينهزموا عنه في إبان المعركة فينتصر عليه الرومان.فلم يثق بقوة بوكوس العسكرية، فرجع إلى حرب العصابات في مقارعة ماريوس .

    ونزل ماريوس في عوتيقة بما معه من الجيش في سنة 107 فانضم إليه الجيش الروماني الكبير في افريقية فبلغ جيشه ألف جندي من خيرة الجيش الروماني المدرب، فزحف بهم نحو نوميديا، ولكن لم يكد يصل حدود نوميديا الشرقية حتى مال نحو الجنوب الغربي لافريقية، فداهم )قفصة( التي جعلها يوغورطة معسكره، وكان يوغورطة غائبا عنها في نوميديا فاحتلها، وتكل بأهلها، واخذ ما فيها من أموال يوغورطة وذخائره، ونهب ما فيها من أموال البربر، احرقها فأكلتها النيران، فصارت لا تعصم من يأوي إليها. فانتقل يوغورطة إلى موريطانيا الشرقية وجعل معسكره محل أثقاله في حصن تاوريرت ( آورير بسكون الواو في البربرية للجبل وهو مذكر. وتاوريرت للجبل الصغير أو الهضبة العالية وهومؤنث) وهو حصن في هضبة عالية في غرب موريطانيا الشرقية. وزحف ماريوس في جيشه الجرار حتى وصل نوميديا الوسطى فوجد يوغورطة في انتظاره، فلم يشتبك به يوغورطة في معركة كبرى بلا آثر ان يتبعه ويرهق جيوشه بحرب العصابات في الجبال والأودية الوعرة، وان يجتره إلى الناحية الغربية ليثير بوكوس للحرب معه في صدق وإخلاص إذا رأى الرومان يقربون من دولته. فكان ليوغورطة ما أراد.

فكان يهجم على الرومان كلما وجد الفرصة فيقتل منهم، وينكل بهم، ثم يلوذ بالجبال الوعرة. وحارب الرومان الذين يتتبعونه في الزاب، وجبال الحضنة، وفي أمكنة كثيرة من موريطانيا الشرقية. ان الرومان أقوى منه وأكثر جندا، ولكنه لا يستسلم ولا يهن !

   ان الصحراء هي ملجؤه الحصن سيعتصم بها، ويوالي منها ضرباته للرومان. يجب ان يقاتل الأعداء في كل ناحية من نواحي المغرب ان الاستسلام جريمة ! لابد من دحرهم وتطهير المغرب منهم. ان البربر معه. سيهبون كلهم لنصرته إذا وصل وقت الهجوم على الرومان. ان الرومان أجانب في المغرب، وهم يحاربون في وطن لا يعرفون دروبه ومسالكه الجبلية. سيجد فيهم فرصته فيضربهم الضربة القاصمة. ثم ان الرومان يضعفهم ويوهن قواهم. سيكر عليهم فيهزمهم شر هزيمة. هذا ما عزم عليه يوغورطة فثبت في الميدان فلم ينهزم.

استنجاد يوغورطة ثانية بيوكوس:

    وقرب ماريوس من وادي ملوية. وهاجم حصن تاوريرت فاحتله، واخذ ما فيه من أموال يوغورطة وذخائره الحربية. وأمسى على حدود موريطانيا الغربية دولة بوكوس. فأعاد يوغورطة دعوته إلى محاربة الرومان وواعده على النصرة بثلث نوميديا. ان بوكوس تحركه أطماعه لا غيرته وشجاعته. فما زال به حتى أعداه بشجاعته، وكساه بوجدانه، فاستجاب له، وغلت مراجله، فجهر جيشه وأرسله إلى يوغورطة فكثر به جند يوغورطة، فهجم على الرومان.

    كان هذا الهجوم في سنة 106 بعد مرور نحو عام من قيادة ماريوس للرومان في المغرب. فوقعت بين الجيشين معارك طاحنة، وقتل البربر من الرومان مقتلة كبرى، ونثروا أشلاءهم في ميادين الحرب. وجللوا الساحة يجثث قتلاهم، وقتل الرومان من البربر كثيرا، ودامت المعركة يوما كاملا، وأحاط البربر بالرومان فكادوا ان يهزموهم. ولما وصل الليل أوقفوا الحرب. فنظم الرومان صفوفهم، ولم يكد يشرق الصباح حتى كان الرومان هم الذين يهجمون على البربر الذين وثقوا بالنصر وانهزام الرومان فغفلوا عن عدوهم، ولم يبقوا على أهبتهم الأولى لمحاربته. فوجد الرومان البربر عللا غير تعبئة فاخترقوا جموعهم، وهجموا على معسكرهم، فاعملوا فيهم السيوف، فقتلوا منهم عددا كبيرا. فانهزم البربر وانتصر الرومان.

     أرى ان هذه المعركة لم يتولى قيادتها يوغورطة، بل احد قواده أو قواد بوكوس. ان يوغورطة حازم عبقري في الحرب. ما كان ليغفل هذه الغفلة، فيضيع النصر الذي حاز، ويتركه لعدوه. لقد رأيناه يهجم في الليل على آدربعل في سنة 112 فيهزمه. فما كان ليرجئ الإجهاز على الرومان إلى الصباح لو كان هو الذي يدير المعركة.

    وذهب ماريوس إلى قرطة بعد هذه المعركة الكبرى. وقد يكون ذهابه إلى قرطة ليتحصن بها إذا رجحت كفة يوغورطة في الحروب المقبلة. فأرسل يوغورطة وراءه كتائب من جيشه و جيش بوكوس فأدركته في الطريق. فدارت حروب عنيفة بين الجيشين، جيش يوغورطة، وجيش ماريوس. فحمى في غرب (سطيف) الوطيس واشتد القتال، ورأى ماريوس الموت الأحمر يحدق به، وكادت كفة جيش يوغورطة تكون هي الراجحة. فجاء القائد الروماني صيلة بجيش انجد به ماريوس، فرجحت كفته في الحرب فكان النصر له. ورجع إلى قرطة واستقر فيها، والإعياء يهده، والاياس من القضاء على يوغورطة بالحرب يملأ نفسه. وكان مجلس الشيوخ الروماني يتتبع سير الحروب في المغرب باهتمام. فرأى ثبات يوغورطة، وثبات البربر، وحرب العصابات التي يتبعها، وهي حرب لا تهزم، فأيقن كماريوس بان الجهود العسكرية لا تجدي. وان مستقبل المعركة إذا استمرت ليوغورطة، فيمرغهم في التراب ويسحقهم بأقدامه. ان الزمان طويل الذي يمر وهم معه فلم يستطيعوا كسره والقبض عليه، أو قتله. وها هو بوكوس ملك موريطانيا الغربية ينضم إليه فيبدأ حربهم بقوات جديدة. انه إذا لم يستطع مواصلة المعارك الكبرى معهم لتفوقهم عليه في الجنرد، فسيواصل حرب العصابات عليهم من جيتوليا فيرهقهم ويعييهم، ثم يكر عليهم فيكسرهم في معركة كبيرة. ان يوغورطة لا يستطيعونه ولا يبلغون مرامهم فيه بالقوة بل بالمكيدة. ولكن ماريوس ضعيف الذكاء في باب الختل والكيد. ان سيفه أطول من عقله. فلابد من رجل داهية يحسن الفخاخ الخفية، والكيد البارع، يكون معه ليتولى الدس والختل فاختاروا لوكيوس كولانيليوس صيلة. وهو قائد روماني لا شجاعة له، ولكنه ماهر في الدس والكيد، والإيقاع بعدوه في أفخاخه. فأرسلوه إلى ماريوس.

    فخلا به ماريوس بعد معركة سطيف يعملان الفكر في مكيدة تضعف يوغورطة وتوقعه في قبضتهم. فخلق لهم بوكوس صهر يوغورطة الفرصة لذلك، فهب صيلة لاستغلالها. وكان بوكوس ملك موريطانيا الغربية ضعيفا جبانا. وكانت تتسلط عليه شهواته وجبنه وحسده ليوغورطة لا إدارة البربر وشجاعتهم، وكرههم للرومان. وكان يوغورطة قد واعده على النصرة بثلث نوميديا، فحركه بالطمع فوقف بجانبه، ولكن يوغورطة لم ينصر، ورأى قوة الرومان، فخاف ان يغضب عليه الرومان فيزحفوا على دولته فأرسل إلى ماريوس في طلب الصلح، وأبدى استعداده لخدمة الرومان وخذلان يوغورطة. فأرسل ماريوس رسل بوكوس إلى رومة ليرى مجلس الشيوخ رأيه في طلب ملكهم. وأرسل صيلة إلى بوكوس لينصب فخاخه ليوغورطة.

غدر بوكوس بيوغورطة:

دهاء صيلة وجبن بوكوس:

    واجتمع صيلة الداهية ببوكوس الضعيف. وكان ذلك في سنة 105 ق.م وكان صيلة يعرف ان بوكوس عبد أطماعه وجبنه. فواعده بموريطانيا الشرقية كلها ان هو أعانهم في القبض على يوغورطة، واو عده باحتلال دولته، والقضاء على ملكه ان أبي واستمر في تأييد يوغورطة. فكان بوكوس كما يريد صيلة، فشمر للكيد ليوغورطة، واتفق مع صيلة على خطته. وكان يوغورطة يكره الصلح مع الرومان. وكان يعرف الإعياء الذي أصابهم، وعرف إنهم لا يستطيعون ملاحقته إلى جيتوليا، وسيظل يشن عليهم حرب العصابات إلى ان يوهنهم، ثم يكر عليهم فيطرحهم أرضا، ويلقي بهم في اليم. كان يوغورطة ثابتا في الحرب، قد عزم على مواصلة القتال، فأرسل إليه بوكوس يعلمه بطلب الصلح، ويرجوه ان يوافق عاليه. فجعله أمام الأمر الواقع. هل يرفض الصلح فيختلف بوكوس فيصبح عدوه يحاربه مع الرومان؟ ان الرومان سيستغلون هذا الخلاف. ووالى بوكوس رسله إلى يوغورطة يعلمه بان شروط الصلح ستكون مقبولة، وان الرومان سينسحبون إلى الولاية الرومانية، فيخرجون من دولته بدون قتال. فما زال به حتى ألزمه بقبول الصلح. فاستقدمه إلى مقره لمقابلة الوفد الروماني ليتفاوضا معه في شروط الصالح، وانسحاب الرومان من دولته.

كيد بوكوس وصيلة ليوغورطة:

     وكان يوغورطة ذكيا. وكان يعرف ضعف بوكوس ودهاء صيلة فاحتاط لنفسه فطلب ان يرسل إليه سيلة ليكون رهينة عنده ثم يقدم لمفاوضة الوفد. فأبى عليه بوكوس ما طلب، واعلمه بان صيلة هو رئيس الوفد، وانه لا يصيبه أي ضير إذا اجتمع بوفد الرومان، وان الاجتماع يكون عنده في مكان امن لا سلطان ولا قوة للرومان فيه. وكان يوغورطة حسن النية. وكان بوكوس صهره، وجاره وابن جنسه. وكان قد حارب الرومان معه فلم يخطر بباله انه يختله. فرضي بالاجتماع بصيلة. فاشترط ان يكون الاجتماع في مكان يكونان فيه خاليين من السلاح، فرضي صيلة بالشرط، وأكد له بوكوس قبول الشرط، وان صيلة سيكون خاليا من السلاح ومن كل قوة حربية. فجاء يوغورطة وهو يعتقد انه ذهب إلى دار صهره وجاره وابن عمه الأمن، ولكنه ذهب إلى دار عدوه حيث نصب له الفخ. وكان يوغورطة يعتقد ان الرومان شرفاء مثله، يوفون بالوعد، ويتنزهون عن الغدر، فوثق بوعد صيلة الذي لابد ان يكون قد بعث به إليه مكتوبا مختوما بختم الدولة، أو يكون شاقه به رسل يوغورطة. ولم يدر في خلده ان الرومان يغدرون بعد إيمانهم ووعودهم واتفاقهم على التجرد من السلاح. وكان يوغورطة شريفا شجاعا ! فوصل مكان الاجتماع وهو خال من كل جند يحرسه، ومن كل سلاح. وما كاد يستقر به المقام في مكان الاجتماع حتى أحاط به

جند بوكوس الذي كان صيلة قد أخفاه في مكان قريب من موطن الاجتماع. فأسروه فسار به صيلة في جيش كبير قد يكون جيش بوكوس فسلموه إلى ماريوس في قرطة !

لوحة تجدس غدر روما وبوخوص بالقائد الأمازيغي يوغرطة وإلقاء القبض عليه

    فسر ماريوس وتنفس الصعداء، وفرح فرحته الكبرى، وطير الخبر إلى روما فسر مجلس الشيوخ الروماني بالقبض على يوغورطة. ورقصت روما طربا لهذا الحادث الكبير. وكان كل العقلاء في العالم يرون الرومان وهم يحتفلون بأسر يوغورطة والغدر به كالغربان الخسيسة التي تستلذ التهام الجيفة، وتحتفل بإقحام مناخرها في ديدانها، وفي أقذار المزبلة ! ماذا سيفعل الرومان الغادرون بيوغورطة بطل المغرب الكبير.

نهاية يوغورطة ولؤم الرومان:

   وفي ديسمبر من سنة 105 ق.م ذهب ماريوس إلى رومة ومعه يوغورطة أسيرا في أغلاله. وأعاد مجلس الشيوخ الروماني انتخاب ماريوس قنصلا جزاء له على غره بيوغورطة، وقبض بوكوس عليه. وفي اليوم الأول من يناير سنة 104 ق.م.احتفل الرومان بانتصارهم على يوغورطة، وبماريوس الذي أورثهم ذلك النصر، وكان قنصلا للدولة. فأسرعت المدن الرومانية إلى روما فغصت شوارعها وميدانها العام الفسيح بمختلف الطبقات. وكلهم يتلهف وبشخص ببصره ليرى ماريوس فيحييه، ويشاهد يوغورطة أسيرا في أغلاله ليشمت به. فخرج ماريوس في أول يناير في شموخ المنتصر، وأبهة الغالب، فركب عربته الفخمة، وجعل يوغورطة أمام عربته مع الخيل، وهو في تاجه الملوكي وحلته الأرجوانية الملوكية، ويداه في القيد الحديدي ! فمشى به في شوارع روما، ووقف به في ميدانها العام، فشمت العجائز والصبيان والسفهاء بيوغورطة، واسمعوه قارس الكلام. ثم زج به مجلس الشيوخ في أقسى السجون، ومنعوا عنه الطعام والشراب. ومشى الحراس القساة بيوغورطة ودفعوا به في قيوده في سجن (التوليانوم) تحت قصر (الكابتول). هو سجن مظلم بارد كثير الانداء لا يحكم به إلا على كبار المجرمين، ومنعوا عنه الطعام والشراب أيام كاملة وفي اليوم السابع من يناير سنة 104 ق.م. شنقوه، ففاضت روحه ! فتنفس الرومان الصعداء وظنوا إنهم قد قضوا على يوغورطة، واخمدوا البربر، ولكن بغدرهم به، ولؤمهم معه زادوا العداوة البربر لهم اشتعالا، وغرسوا يوغورطة في أعماق قلوب المغرب، فظل يهيب به لمحاربة الرومان وعدم الخضوع للمستعمرين، فتثور براكينه عليهم.

تعظيم الرومان لماريوس لقضائه على يوغورطة:

   وكان الرومان يعظون ماريوس لأنه قضى على اكبر عدو لهم جرعهم مرارة الهزيمة، وطعم الذل، وشغلهم بالحروب سبع سنين، ثم امتنع عنهم فلم يستطيعوا التغلب عليه بالقوة، وجازوه على ذلك بان أعادوا انتخابه للقنصلية ست مرات.وكان ماريوس يفخر بالقضاء على يوغورطة. وكان صيلة يقول للرومان بأنه هو الذي قضى عليه. فكان هذا من أسباب العداوة التي شبت بعد ذلك بين صيلة وماريوس فأغرقت روما في الدماء. يوغورطة ! بطل المغرب العبقري المخلص! حارب الرومان سبع سنين، وركبهم بالهزائم، وعجزوا عن إخماده وإخماد البربر بالقوة، وهم اكبر دولة في ذلك الزمان، وأقوى امة في ذلك العصر. قد خضعت لسلطانها كل الدول الكبرى، وطأطأت لسطوتها كل الشعوب القوية. لقد أحنى الرومان بقوتهم رءوس الملوك الأقوياء، ورءوس الأمم القوية، ولكن البربر لم يخضعوا لهم، ويوغورطة لم تنحن رأسه لهم. فظل يقاتلهم سبع سنين، ولولا غدر بوكوس لبلغ مرامه فيهم، فيكنسهم إلى البحر! لقد قاتل يوغورطة دفاعا عن وطنه في كل أنحاء دولته. قاتل في افريقية، وفي نوميديا، وفي موريطانيا الشرقية، وفي الشمال، وفي الصحراء، وفي السهول، وفي الجبال، وظل سبع سنين في لأمة الحرب مع الرومان لا يسكن ولا يستريح. وقضى أيامه في الملك وهو يجاهد لتنظيف الدولة وتوحيدها، وفي مجالدة المستعمرين ودفاعهم. ولو امتد اجله لبلغ كل آماله، فيقضي على الرومان في المغرب، ويوحد وطن الأمازيغ فيكون دولة واحدة، ويجعل المغرب أكبر دولة بعبقريته السياسية والإدارية، وبإخلاصه!

  لقد كتب كثير من المؤرخين عن يوغورطة فمجدوه، وأرغمهم على الاعتراف ببطولته وبطولة البربر النادرة. فبعضهم كان سهما فانتصر على القول الصواب، وبعضهم كان سيفها فقال في يوغورطة ما يقوله السفهاء الذين لا شرف ولا عقول لهم فيمن يكرهون.

المصدر: كتاب تاريخ المغرب الكبير الجزء الأول

تأليف : محمد علي دبوز أستاذ الأدب والتاريخ في معهد الحياة بالجزائر