منوعات

كل شيئ عن الصداقة



يظهر مفهوم الصداقة في معاجم اللغة للتعبير عن علاقات الحب والمودة بين الأصدقاء أو الإخلاص والوفاء والمحبة بين المتقاربين، ومن مرادفاتها المخالة، وتعني الصداقة والمصادقة، أمّا التعريف الاجتماعي للصداقة فإنّه يصفها بأنّها علاقة اجتماعية متبادلة بين شخصين أو مجموعة من الأشخاص تقوم على الحب والألفة والانجذاب للآخر وإظهار الودّ والعاطفة والميول بصورةٍ تخلو من الرغبة الجنسية، والثابت في هذه العلاقة أنّها دائمة وثيقةٌ مبنية على تشابه الاتجاهات والميول وتوافق الأفكار والعقول، ولا تحتكم هذه الرابطة المهمة على الأطماع الشخصية والمكتسبات الفردية، بل تتشكل برباطٍ وديٍّ متين يؤدي دوراً جوهرياً في حياة الأصدقاء.

الصداقة قيمة أخلاقية مركزية

ينزع المجتمع البشري إلى تحقيق استقراره النفسي والداخلي من خلال إشباع حاجاته العاطفية والوجدانية الشاغرة والمتنوعة، والتي لا تتحقّق عادةً بالاتّجار والمقايضة؛ إذ هي أساسياتٌ معنويّة ونفسية تعجز الماديات عن تحقيقها، فالتآلف والتوادّ والتآخي وإيجاد المتشابهات بين الفرد والآخرين أمورٌ معنويةٌ لا توفرها الآلات والأدوات ولا تُشترَى بالمال، بل هي قيمٌ وخصائص معنوية يتحصّل عليها بالبحث عن التوافقات الداخلية بين الناس، ومحاولة التقارب مع أنماطهم وشخصياتهم وأرواحهم وعاداتهم للوصول إلى الاستقرار المُتبادَل والاحتياج الإنساني لوجود الآخر، وهو ما تُلبّيه قيمة الصداقة بتمثيلٍ مُميّز.

ويمكن تحقيق كل تلك المكتسبات المعنوية بنمطٍ مهم ومميز من العلاقات الاجتماعية يدعى الصداقة؛ إذ إنّها المصدر الغني الباعث للبهجة والسرور والمُحفّز للعمل والإبداع والإنجاز، وهي الدافع المُشترَك بين الناس لتكوين العلاقات، والبحث عن ذواتهم في عيون الآخرين، وتأسيس مجتمعاتهم الخاصة التي لا يتملّكُها قانونٌ ولا تديرها نظم، وهي القيمة المؤسسة للنمو الذاتي والتطور الأخلاقي، فالصداقة حالةٌ تجمع الكائنات الإنسانية دون غيرها بعلاقاتٍ عميقةٍ وطيدةٍ تبنى على التوافقات، وتُنمّى بالتقارب السلوكي والأخلاقي والذهني لتلعب دوراً مميزاً ومحفزاً في حياة الأصدقاء؛ بالتفريغ النفسي، والمعونة المادية، ومبادلة التفكير، ومشاركة المشاعر، والمواقف والحالات الحياتية بشتى تصنيفاتها وتفاعلاتها.

الصداقة في الماضي

اعتبر الفلاسفة وعلماء الاجتماع ومفكرو الحضارات السابقة الصداقة بأنّها مُتطلّبٌ أخلاقيٌ وعنصرٌ أساسي وضرورةٌ ملحةٌ في الحياة المستقرة، وبأنّها طبيعةٌ إنسانية وقيمةٌ أخلاقية مركزية في نظرية الأخلاق تُعبّر عن ميل الإنسان وتركيبته المنحازة للخير، وحاجته الحقيقية لجوهر الأخلاق والفضائل، ومع تطوُّر العلم والتكنولوجيا والفنون والعلوم بشتى أصنافها وأنواعها، تأصلت قيم الإنسان العليا في طريقة تفكيره وأصبحت النشاطات الفنية والدينية والاجتماعية والتربوية أكثر تعميماً في فئات الناس دون حصرٍ لإحدى الفئات أو القوميات أو الطبقات دون غيرها، وصار الفهم والتطبيق أكثر إتقاناً وروحانية، غير أنّ الأخلاق بقيت ذات أرضية صلبة وثابتةٍ لا تقبل الكثير من التغيير فيما عدا الإيجابي منه؛ لكنّ التيّارات الفلسفية الأكثر بروزاً كفلسفة الوجود والبراغماتية والفلسفة التحليلية استبعدت الصداقة من النظرية الأخلاقية، أو على الأقل لم تعتبرها قيمةً أخلاقية مركزية، ثم اعتبرها الرواقيون حاجةً إنسانية وعنصراً تركيبياً في الفضائل، واعتبر أنّ سعي الإنسان لتحقيق الحياة الصالحة لا يتطلب وجود الصداقة؛ فهي برأيِهم مُكمّلٌ لا أساس وجودي ولا حياتي، فوافقوا بذلك البراغماتية في استبعاد الصداقة من نظرية الأخلاق المعاصرة.


أثر الصداقة على الفرد والمجتمع

إنّ فلسفة الصداقة مبنيّة على وجود علاقاتٍ فعلية وتفاعلات حقيقية متبادلة بين الناس؛ الأمر الذي يجعل من شركاء الصداقة أفراداً متكاملين في الخصائص والوظائف والفكر والمبادئ، وتبرز أهمية الصداقة للأفراد والمجتمع؛ كونها تتيح مشاركة الآراء والأفكار ومناقشة الهموم والقضايا في جوٍ من الألفة والأمن المعلوماتي وتحصيل التغذية الراجعة المفيدة وفق ضوابط المصداقية والتناصح ونظرة المبادلة في المواقف والتفكير بإنصاتٍ وتمعن، كما تظهر عوائد الصداقة على الأفراد والمجتمعات في تحقيق المنفعة المشتركة، والتشجيع الدائم والمستمر، والتحفيز المؤثر، وبناء الثقة بالنفس، ودعم المواقف، وتصحيح الأخطاء بصورة إيجابية حسنة.

وتعزّز الصداقة لدى الأفراد مشاعر الاستقرار والأمن العاطفي؛ إذ تحقّق الروابط العميقة لدى الأصدقاء قدرات وطاقات تبادليّة في إنجاز الأغراص الشخصية والاجتماعية دون تكلف وتخبط وحرج؛ إذ تذوب في تعاملات الأصدقاء مظاهر الرسمية والحرج والخجل في طلب العون والمساعدة، وتختفي عادةً المصالح الفردية والأطماع الشخصية، كما تتجلى في علاقاتهم صفات العطاء وتقديم المنافع عن طيب نفسٍ وتسخير الجهود والإمكانات في خدمة الأصدقاء بإرادةٍ ودية وعاطفةٍ حقيقية لا تنتظر المقابل.

الأثر النفسي والاجتماعي للصداقة

تؤدي الصداقة دوراً مهماً في بنية المجتمع وتركيبته ونشأة الشخصية الفردية لأبنائه في مختلف الجوانب الاجتماعية والنفسية، فعلى الصعيد النفسي تُحقّق الصداقة توافقاً نفسياً لدى الأصدقاء كنتيجةٍ لترابط الصلات ومتانتها، وفي الوقت ذاته تعمل الصداقة على كبت مشاعر القلق لدى الشركاء أو الأفراد ضمن دائرة الصداقة، كما تُسهم في تخفيف آثار الاضطراب والتوتر والإجهاد النفسي عبر مشاركة الأصدقاء تفاعلاتهم اليومية والدورية، ويتّضح أثر الصداقة في حياة الفرد النفسية في قدرتها على إنهاء حالات العزلة والوحدة وتخفيف الضغوطات والتفريغ النفسي، كما يبرز دور الصداقة نفسياً في دعم المشاعر الإيجابية وتعديل السلوك بما يتوافق مع نمط الصداقة الإيجابي للشركاء.

أما على الصعيد الاجتماعي، فإنّ الصداقة تتيح للأفراد اكتساب سماتٍ وخصائص إيجابية في شخصياتهم من خلال تشاركهم الأحداث اليومية والدورية وحضورهم الاجتماعي المتواصل، كما تُسهم الصداقة في تنمية مهارات الأفراد وتطوير قدراتهم الاجتماعية المرغوبة والمحببة وبروتوكولات المناسبات الاجتماعية المختلفة على تنوعها، ما يترتّب عليه القدرة على إدارة الأولويات وبناء العلاقات وتبادل الأفكار والقدرة على بناء الحوار والإفصاح عن المشاعر، كما تظهر ثمار الصداقة في الجانب الاجتماعي في تبصير الأفراد بمعايير السلوك الاجتماعي الأمثل في شتى المواقف والظروف؛ الأمر الذي ينعكس على المُجتمع برمّته في إفراز السلوكات الإيجابية المُثلى، وممارسة الإتيكيت، والتشبُّع بالآداب العامة والترغُّب فيها.


الصداقة….والحب في الله….

حقا هي ما أروعها من وصية…هذه الكلمات العظيمة في معناها….

الثمينة في محتواها….القيمة في مضمونها….

فالصداقة…أجمل علاقة إنسانية..تحمل العديد من المشاعر والأحاسيس..

والقيم الإنسانية النبيلة فهي كالشجرة الوارفة الظلال….والدائمة الخضرة…

تؤتي أكلها كل حين وأعظم وألذ وأطيب…ثمارها عندما تؤتيه ….

في وقت الأزمات…والشدائد التي تمر بالأصدقاء….عندها يكون لها…

طعم ولذة خاصة…ويبقى أثرها خالدا في النفوس ما بقيت…..

وشجرة الصداقة…تنمو وتكبر وتسمو…بالنفوس الطيبة فهي قد اجتمعت…

وتألفت بالحب في الله….تحت هذه الشجرة يجتمع ركب الأصدقاء….

ليتشاركوا….الأفراح…والأحزان…ويتقاسموا الأماني والذكريات…..

ويشد كل واحد منهم أزر الأخر…للسير قدما في طريق الخير والحب..

وطاعة الرحمن ، ففي حديث لأبي هريرة رضي الله عنه

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ،
وذكر من ضمنهم ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ،……. ”  متفق عليه.

فالحب في الله….

يتطلب ان يكون خالص لوجهه تعالى ، حتى تعود الصداقة بالنفع على…

الأصدقاء في الدنيا والأخرة ……..

قال تعالى : (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) ….الزخرف… آية 67

أي الأخلاء في الدنيا المتحابون فيها يوم تأتيهم الساعة يعادي بعضهم بعضاً،
ووجدوا تلك الأمور التي كانوا فيها أخلاء أسباباً للعذاب، فصاروا أعداء والعياذ بالله…
(إلا المتقين) فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة….

وعن جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : ” إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان ، وصديقه في الجحيم ، فيقول الله تعالى : أخرجوا له صديقه إلى الجنة ، فيقول من بقي : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم” (حديث قدسي)

وقال الحسن البصري – رحمه الله -:
[ استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة ].

فالصديق الوفي…. هو من يمشي بك إلى الجنة …

وقد قال ابن الجوزي رحمه الله :

إن لم تجدوني في الجنة بينكم فاسألوا عني فقولوا :

يا ربنا عبدك فلان كان يذكرنا بك !!! ثم بكى رحمه الله ….

فالصداقة الحقة والأخوة الصادقة…والمودة…لها حقوق فمن حق صديقك وخليلك…

النصح له والتذكير….

فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال: رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره.” رواه البخاري.

وقد قال الشافي رحمه الله :

سلام على الدنيا اذا لم يكن بها……صديق صدوق صادق الوعد منصفا

وكما قيل الصديق وقت الضيق….

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لو أن رجلين تحابا في الله أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب لجمع الله تعالى بينهما يوم القيامة يقول هذا الذي أحببته في “.‏ حديث مرفوع

كما أن الصداقة المتينة…تظل عالقة بقلوب الأصدقاء….حتى وإن اجبرتهم ظروف الحياة على الافتراق….فستبقى ذكراهم….تعطر سماء الذكريات….بأزكى وأسمى المعاني…..

اللهم إنا نسألك رفقة خيرٍ تعيننا على طاعتك، وأدِم اللهم تآخينا فيك إلى يوم لقياك.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock