أخبارالعالم الأمازيغي
أخر الأخبار

لماذا فشل حراك الريف؟ + نشرته قناة الجزيرة + وهل حقا فشل.. ؟

أُسدل الستار مؤخرا على حراك الريف الذي عمّر لأزيد من سنة، وذلك بتأكيد الحكم الابتدائي في الحكم الاستئنافي الأخير بأحكام متفرقة، 20 سنة لكل من ناصر الزفزافي قائد حراك الريف، نبيل أحجميق، سمير إيغيد ووسيم البوستاتي، وأدانت المحكمة ذاتها كلا من المعتقلين محمد الحاكي وزكرياء أضهشور و”بوهنوش” بـ15 سنة سجنا نافذا لكل واحد منهما، وتم الحكم على المعتقلين محمد جلول ورشيد اعماروش بـ10 سنوات سجنا نافذا، في حين أدين محمد المجاوي بـ5 سنوات سجنا، حكم أقبر رمز العدالة في المغرب فعليا، وما جرى من أطوار المحاكمة لم تكن إلا مسرحية منحازة للجهات الأقوى، كما قال الشاعر: “فأنت الخصم والحكم!”، فما أبرز المحطات التي مرّ بها حراك الريف؟ ولماذا فشل فشلاً ذريعاً في آخر مراحله؟

كانت شرارة الاحتجاجات الأولى في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2016، بعد مقتل محسن فكري بائع السمك، حيث صادرت السلطات المحلية داخل ميناء مدينة الحسيمة سلعة الشاب محسن فكري، بحجة أن السمك الذي كان يبيعه ممنوع صيده، بعدما صادرت السلطات سلعته ورمت السمك في شاحنة الأزبال، وكخطوة احتجاجية صعد الشهيد محسن ورفاقه إلى شاحنة الأزبال لمنع عملية إتلاف السلعة. حسب شهود عيان فإن ممثل السلطة المسؤول عن العملية أعطى تعليمات بتشغيل آلة الطحن بالرغم من علمه لوجود الشباب هناك، بعبارة صارت وسما غزى مواقع التواصل الاجتماعي “طحن مّو”، وقد تمكن أصدقاء محسن فكري من القفز والنجاة من الموت، إلا أنه لم يتمكن من ذلك لأنه كان ممدداً داخل الآلة التي سحقته بسرعة كبيرة ولقي مصرعه في الحال أمام أعين ممثل السلطة الذي لم يحرك ساكنا.

[box type=”note” align=”alignleft” class=”” width=””]استمر الحراك بملفه المطلبي الثابت إلى أن تم اعتقال ناصر الزفزافي يوم 29 ماي/أيار2017، على خلفية اعتراضه على خطيب جمعة وصف الحراك واتهمه بتأجيج الفتنة[/box]
تبعتها وقفة لسكان المدينة تزعمها ناصر الزفزافي، ولم تكن الأمور لتقف عند هذا الحد بل تطورت عبر تأسيس لجنة خاصة لمتابعة قضية محسن فكري ثم تطورت الأمور أكثر وقام شباب الحراك بصياغة ملف مطلبي متكامل ضم مجموعة من المطالب التي يراها شباب الحراك عادلة ومشروعة (متابعة كل المتورطين في مقتل محسن فكري، مستشفى لمعالجة مركز السرطان، جامعة متعددة التخصصات..)، وباعتبار تزمُّت السلطة في المغرب ومحاولتها كبح كل حراك وإخماده في كل منطقة، وذلك طيلة تاريخ المغرب، والأمثلة كثيرة لولا أن المقام لا يسمح لنا بذكرها، وفي استحضار الاستبداد المخزني المطبوع بقوة على ذاكرة المغرب الاحتجاجي، فإن حراك الريف ومطالب شبابه لم تكن لتعرف النور في الواقع وتحقيقها فعليا على الواقع.وهذا كان متوقعا بين مختلف النخب الفكرية والسياسية، بنسب متفاوتة، لكن إرادة الشباب لم تكن لتهِن وتضعف، واعتبروا أن المرحلة مهمة لتحقيق ما يمكن تحقيقه لساكنة الريف عموما، وساكنة الحسيمة بشكل خاص، فخاضوا احتجاجات مستمرة اتسمت بالسلمية التي كان يؤكد عليها شباب الحراك، على لسان ناصر، ويحذرون من أي انزلاق قد يعصف بالحراك كاملا، ويتشبثون بسلمية الحراك إلى أبعد الحدود، وهم يتوقعون أن السلطة ستجرهم للعنف لا محالة من أجل نسف حراكهم،
وإن وقعت بعض المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن بالحجارة فهي تبقى حالات معزولة، وإن كان لها تبرير في سياقها الخاص، لأن المتظاهرين استشعروا الظلم والطغيان فواجهوه بالحجارة في تعبير منهم على الرفض لكل ظلم أو تعدي.لكن أغلب الاحتجاجات كانت سلمية ومتواصلة لتأكيد المطلب العادل والمشروع على حد تعبير المحتجين لانتزاع مطالبهم، خاضوا مسيرة الورود ومسيرة الأكفان ومسيرات أخرى متفرقة في الحسيمة وخارج الحسيمة أيضا، كما طبعت المسيرات سلوكات راقية للشباب تجلت في حمايتهم للممتلكات العمومية من أي محاولات بلطجية، ولا تزال تلك الصور مسجلة في مواقع التواصل الاجتماعي لمن أراد الرجوع إليها، وقامت السلطات رغم ذلك بقمع المسيرات وتعنيفها، كما أنها سارعت لاتهام الحراك بتلقي أموال خارجية وسعيهم للانفصال عن المغرب، الشيء الذي جعل الشباب، على لسان ناصر، يردون هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، ويؤكدون على سلمية حراكهم واستقلاليتهم عن أي جهة خارجية.
استمر الحراك بملفه المطلبي الثابت إلى أن تم اعتقال ناصر الزفزافي يوم 29 ماي/أيار2017، على خلفية اعتراضه على خطيب جمعة وصف الحراك واتهمه بتأجيج الفتنة، تلتها بعد ذلك مذكرات اعتقال، طالت كل من محمد جلول ونبيل احجميق وسمير إيغيد ووسيم البوستاتي، ومناضلين آخرين وصل عددهم 40 معتقلا، تم نقل بعضهم إلى الدار البيضاء، كما أدان حقوقيون ظروف اعتقالهم الذي لم يتوفر على أبسط شروط حقوق الإنسان واعتبروا الاعتقال نفسه على شاكلة اختطاف لم يعرف أهلهم أين ومتى تم أخذهم، وقد حوكموا بتهم عديدة من أبرزها تلقي أموال خارجية والمس بالسلامة الداخلية للدولة، عقبتها احتجاجات متفرقة تنديدا بالاعتقالات الممنهجة لشباب الحراك.فشل الحراك فشلا واضحا، فشل في خطه التحرري العام، وليس في أثره الذي قد يظهر فيما بعد، وسنحاول من خلال هذا المقال تسليط الضوء على أبرز أسباب الفشل، معتبرين محاولتنا اجتهاد بسيط للفهم، بعيدا عن أي انحياز ودون أدنى تحامل من طرفنا، وأول ما نشير إليه هو محاولة السلطات عزل الحراك عن أي التفاف شعبي، ورغم المسيرات المؤيدة للحراك والمنددة بالعسكرة التي طوقت الحسيمة، إلا أنها لم تكن بالشكل الكافي، لأن الإعلام الوطني المنحاز للسلطة قام بتوجيه الرأي العام فوصم الحراك الريفي بالانفصال مستحضرين تاريخ الريف في التمرد تاريخيا، فأرادوا من خلال ذلك أن ينزعوا عن الحراك الطابع الاحتجاجي السليم في المطالبة بحقوق معقولة كالجامعة والمستشفى.حراك الريفواعتبر باقي الشعب المغربي، بشكل أو بآخر، أن حراك الريف له نزعة “شوفينية” يهم أصحاب الريف أنفسهم، وأنه مجرد تعصب أمازيغي للانفصال تحت يافطة مطلب جامعة ومستشفى، لا نقصد التعميم ولكن هذا تجده حتى عند بعض المناضلين المحسوبين على إديولوجيات محددة، لا داعي للخوض فيها لأنه ليس محلا للتفصيل، إضافة إلى أن باقي مناطق المغرب المتضررة، والتي لا تقل مطالبهم عما يطالب به شباب الريف، لم تستغل الوضع واقتناص الفرصة لانتزاع ما يمكن انتزاعه، بل ركنوا إلى ديارهم معتبرين أن قضية الريف لا تهمهم لا من قريب ولا من بعيد، متناسين أن الريف جزء لا يتجزأ من المغرب وأن ما يضرهم يضر باقي مناطق المغرب وأن ما اكتوى بناره الريفيون يكتوي بناره كل المغاربة.

لكل حراك فاشل أسباب فشله، أسباب ذاتية وأخرى موضوعية، وحراك الريف له أسبابه الذاتية التي عجّلت بنهايته، أسباب تتعلق بالحراك نفسه، أبرزها هو في شخص القيادة، ناصر الزفزافي الذي يُكِن له الريفيون بشكل خاص ومعظم المغاربة كل الاحترام والتقدير لما قدمه هذا الشاب من درس في نكران الذات والتضحية لأجل حقوق بلده، وما ثبت عليه من مبادئ أبى أن يتنازل عنها حتى بعد القبض عليه والحكم عليه بـ20 سنة!، لكن جَعلَ ناصر قائدا للحراك أضعف الحراك من حيث لا يشعر، لأن الحراك يجب أن يقود نفسه بنفسه، واختزال الحراك في شخص واحد أمر خطأ، وهذا ما أضعف الحراك بعد اعتقال الزفزافي.


ورغم ردود الفعل التي طبعت شوارع الحسيمة إلا أنه لم يكن بالقوة المطلوبة، وأي قيادي آخر يبرز على الواجهة معوضا الزفزافي لا بد أن يجابَه برفض لشباب الحراك، وحتى ولو اعتبرنا أن وجود القائد أمر لا بد منه (لتوجيه) الحراك ونصحه، فلا بد أن يضع الحراك قادة احتياطيون بإجماع شباب الحراك، بشكل تراتبي لضمان استمرار الحراك بنفس حيويته المعهودة في البداية، ولا ننسى الأخطاء الفردية لشباب الحراك، أبرزها اعتراض ناصر الزفزافي على خطيب الجمعة، والذي كان سببا رئيسيا في اعتقاله، ولعل فكرة الخطبة كانت مدبرة سلفا، قصد الإيقاع بناصر، وإن كانت السلطات تتربص، لا محالة، باعتقال القائد، بأي وجه كان، ولكنها تنتظر الفرصة المناسبة حتى يكون تدخلها “مشروعا”، لكن تجنب الأخطاء وتحسب أي خطوة مهم جدا لضمان استمرار أي حراك شعبي.

ما ذكرناه في مقالنا لم يكن تبخيسا لحراك ألهب كل القنوات الإعلامية الوطنية والدولية، حراك قدم دروسا في التضحية ونكران الذات، حراك أثبت للمرة الألف أن الاستبداد باقٍ ويتمدد إلى أن نتسلح بالوعي الكافي جميعنا كمغاربة للحد من هذا النزيف الذي يسيل من أجساد المغلوبين في هذا الوطن الجريح.

بواسطة
صالح أمهاوش - كاتب مغربي
المصدر
قناة الجزيرة
الوسوم

مقالات ذات صلة

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock